الجمعة، 18 يوليو، 2014

أيها الثائر

انت لا تعرف -أيها الثائر- اذا ما كان الحال سيختلف بعد الثورة عما كان عليه قبلها.. اذا ما كان سيتحسن او سيزداد سوء.. وانت ايضا لا تملك اي ضمانة تضمن لك ان يكون النظام الذي سيخلف النظام الفاسد الذي ثرت عليه أقل منه فسادا واكثر رغبة منه في الإصلاح.. ف"ما البديل؟" هو سؤال محبط لثورات .. تصل الى الحد الذي تظن ان الامر مجرد مقامرة ! وقد تكاد تموت من شكك في نفسك اذا ما كنت حقاً ثائرا ام مجرد اداة في لعبة انت لا تعرف عنها شيئا، وإذا ما عرفت تجد عقلك لا يستطيع استوعابها. وتشك حتى في الثورة بحد ذاتها إن كانت ثورة ام انها قد تكون اي شيء اخر عدا ان تكون ثورة.. بل تصل الى أن تتساءل فيه حقاً عن معنى الثورة بالأساس. تساؤل يجيء متأخراً عن وقته بكثير.. عندها تجد نفسك تائها حائرا لا تعرف شيئا على وجه اليقين.. 
عند هذه النقطة -عزيزي الثائر- يجب ان تلقي ثورتك في سلة المهملات كمسودة لرواية غاية في الرداءة، وتسف دموع الندم على الحبر الأحمر الذي كتبت به تلك الكلمات الرديئة معتقدا انها غاية في الروعة..
بعدها أعد النظر في كل ما مضى، وستجد انك جان وفاسد لذا توقف عن لعب دور الضحية وتحمل المسؤولية بشجاعة لائقة.. فما وصل عليه الحال من الفساد ليس فقط بسبب الفاسدين الذين يظهرون على ركح اللعبة السياسية وانما ايضا بسبب كل من سمح لهم بممارسة فسادهم دون حسيب ولا رقيب، وكل من صمت على ذلك او تجاهله توخيا للسلامة والأمان.. وكل من مارس فساده الخاص المصغر بحجة ان الفساد صار اسلوب حياة في بيئة فاسدة بالكامل..ستجد اننا كلنا فاسدون ومسؤولون عن التردي الحال وأقل الفساد الصمتُ عنه.. 
عندها ستعرف ان الثورة هي اولا ثورة على النفس وإصلاح لفسادها الخاص وستبدأ في التفكير واستعمال عقلك الخامل بعدما كنت مجرد متلق لأفكار غيرك، تتلاعب بك عقول الآخرين وكأنك دمية فتمارس عليك الوصاية الفكرية دون ان تشعر، ذلك انها تحرص ان تجعلك تعتقد ان تلك الأفكار -التي تبثها في عقلك كالسم- هي افكارك الخاصة التي صغتها عن ايمان عميق وراسخ..
عندما ستبدأ بالتفكير ستجد نفسك فارغا من كل شيء ذي نفع ومتخما بالتفاهات والهراء من رأسك الى أخمص قدميك..
حينئذ تعتقد انك بلغت الغاية وسرعان ماتتخلص منها وتستبدلها بأفكار بناءة، لكن ذلك بعيدا كل البعد عنك.. فعقلك عندما يبدأ بالتفكير يصبح بمثابة رسول بلا معجزات يدعوك للإيمان بدين جديد وترك ما كنت تعبده قبلا.. الامر ليس بالسهل ابدا، فهو يتطلب عملية تغيير شاملة تبدأ بالشك البناء في كل شيء. هذا الشك مختلف عن سابقه ذلك انه تحت تأطير عقل واع مفكر.. قد يتطلب منك الإيمان وقتا طويلا جداً ولا بأس في ذلك فتلك هي مرحلة بناء الذات عبر اكتساب مبادئ وقناعات باعتبار انك لبنة في صرح الوطن، لا بد ان تكون كل لبنة فيه ذات بنية قوية كي يكون قويا.. 
راجع الان المشهد برمته، لا شك ان ستجده مختلفا؛ اكثر ووضوحا من ذي قبل، ذلك ان افكارك صارت اكثر تركيزا وقوة لأنها نابعة من تفكيرك وإيمانك الخاص.
عندما تُعمل العقل تصبح حرا والفساد واه جداً امام الأحرار.. وفي اللحظة التي تجد فيها نفسك حرا ومستقلا عن كل ما من شأنه فرض وصاية فكرية عليك سواء كان ذلك من مصدر ديني او قبلي او سياسي.. الخ، في تلك اللحظة فقط تستطيع ان تخلق التغيير حيث انك قمت بما هو اصعب بكثير وهو تغيير النفس والثورة على الذات.. عندها فقط استطيع ان اخاطبك أيها الثائر دون ان أضعك بين معقوفتين كجملة اعتراضية لا محل لا من الأهمية ، لأنك الان صرت فاعلا وليس مفعولا به :) 

0 التعليقات:

إرسال تعليق